الشيخ أحمد فريد المزيدي

32

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

الشيخ أبو جعفر الحدّاد « 1 » قدّس اللّه روحه ونوّر ضريحه هو من مشايخ الصوفية الكبار ، كان شديد الاجتهاد معروفا بالإيثار ، قال محمد بن عبد اللّه الزعفراني : سمعت أبا جعفر الحداد يقول : مكثت بضع عشرة سنة أعتقد التوكل ، وأنا أعمل في السوق آخذ كل يوم أجرتي ولا أنتفع منها بشربة ماء ، ولا بدخلة حمام ، وكنت أجيء بأجرتي إلى الفقراء في الشونيزي ، وأكون على حالي . قال أبو عمر الأنماطي : مكث أبو جعفر الحداد عشرين سنة يكسب كل يوم دينارا يتصدق به أو قال : ينفقه على الفقراء وهو أشد الناس اجتهادا ويخرج بين العشاءين فيتصدق من الأبواب ولا يفطر إلا في وقت أحل اللّه عليه الميتة وكان من رؤساء المتصوفة . قال أبو عبد الرحمن : أبو جعفر الحداد الكبير بغدادي من أقران الجنيد ، ورويم ، وكان أستاذ أبي جعفر الحداد الصغير . قال محمد بن الهيثم : قال لي أبو جعفر الحداد : كنت أحب أن أدري كيف تجري أسباب الرزق على الخلق ، فدخلت البادية بعض السنين على التوكل فبقيت سبعة عشر يوما لم آكل فيها شيئا فضعفت عن المشي ، فبقيت أياما أخر لم أذق فيها شيئا حتى سقطت على وجهي وغشي علي وغلب علي القمل ، شيئا ما رأيت مثله ، ولا سمعت به ، فبينا أنا كذلك إذ مر بي ركب فرأوني على تلك الحال ، فنزل أحدهم عن راحلته ، فحلق رأسي ولحيتي وشق علي ثوبي وتركني في الرمضاء ، وساروا ، فمرّ بي ركب آخر فحملوني إلى حيهم ، وأنا مغلوب فطرحوني ناحية ، فجاءتني امرأة وحلبت على رأسي وصبت اللبن في حلقي ، ففتحت عيني قليلا ، وقلت لهم : أقرب موضع منكم أين ؟ قالوا : جبل الشراة فحملوني إلى الشراة ، قال أبو جعفر وحين سقطت وكنت قد قبضت على حصاة وجهدوا في البادية أن يفتحوا يدي فلم يطيقوا إذا هي حصاة كلما هممت برميها لم أجد إلى رميها سبيلا ، فدخلت بيت المقدس ، فاجتمع حولي الصوفية والحصاة في يدي أقلبها ، فأخذه مني بعض الفقراء وضرب بها الأرض فتفتت وأنا أنظر إليها فقلت : نعم ، يا سيدي لم تطلعني على سبب مجاري الأرزاق إلا بعد حلق رأسي ولحيتي . * * *

--> ( 1 ) انظر في ترجمته : تاريخ بغداد ( 14 / 210 ) ، والحلية ( 10 / 339 ) .